ابراهيم اسماعيل الشهركاني
542
المفيد في شرح أصول الفقه
المعنون - وهو الحرف الحقيقي - موضوعا للحكم حقيقة أوّلا وبالذات ، فإن الحرف الحقيقي يستحيل أن يكون موضوعا للحكم وطرفا للنسبة بأي حال من الأحوال ولو بتوسط شيء ، كيف ؟ وحقيقته النسبة والربط وخاصته إنه لا يخبر عنه . وعليه : فالمخبر عنه أوّلا وبالذات هو عنوان الحرف ، لكن لا بما هو مفهوم موجود في الذهن فإنه بهذا الاعتبار يخبر عنه ، بل بما هو فان في المعنون وحاك عنه ، فالمصحح للإخبار عنه بأنه لا يخبر عنه هو فناؤه في معنونه ، فيكون الحرف الحقيقي المعنون مخبرا عنه ثانيا وبالعرض ، وإن كان الغرض من الحكم إنما يقوم بالمفني فيه وهو الحرف الحقيقي . وعلى هذا : يتضح جليا كيف أن دعوى سراية الحكم أوّلا وبالذات ، من العنوان إلى المعنون منشأها الغفلة بين ما هو المصحح للحكم على موضوع باعتبار قيام الغرض بذلك المصحح ، فيجعل الموضوع عنوانا حاكيا عنه ، وبين ما هو الموضوع للحكم القائم به الغرض ، فالمصحح للحكم شيء ، والمحكوم عليه والمجعول موضوعا شيء آخر . ومن العجيب أن تصدر مثل هذه الغفلة من بعض أهل الفن في المعقول . نعم إذا كان القائل بالسراية يقصد أن العنوان يؤخذ فانيا في المعنون وحاكيا عنه ، وأن الغرض إنما يقوم بالمعنون فذلك حق ونحن نقول به ؛ ولكن ذلك لا ينفعه في الغرض الذي يهدف إليه ، لأنا نقول بذلك من دون أن نجعل متعلق التكليف نفس المعنون وإنما يكون متعلقا له ثانيا وبالعرض ، كالمعلوم بالعرض كما أشرنا إليه فيما سبق . فإن العلم إنما يتعلق بالمعلوم بالذات ويتقوم به وليس هو إلا العنوان الموجود بوجود علمي ، ولكن باعتبار فنائه في معنونه يقال للمضمون : أنه معلوم ولكنه في الحقيقة هو معلوم بالعرض لا بالذات ، وهذا الفناء هو الذي يخيل للناظر أن المتعلق الحقيقي للعلم هو المعنون ، ولقد أحسنوا في تعريف العلم بأنه : حصول صورة الشيء لدى العقل ، لا حصول نفس الشيء ، فالمعلوم بالذات هو الصورة ، والمعلوم بالعرض نفس الشيء الذي حصلت صورته لدى العقل . * * * وإذا ثبت ما تقدم واتضح ما رمينا إليه - من أن متعلق التكليف أوّلا وبالذات هو العنوان ، وأن المعنون متعلق له بالعرض - يتضح لك الحق جليا في مسألتنا ( مسألة اجتماع الأمر والنهي ) وهو : أن الحق ( جواز الاجتماع ) . ومعنى جواز الاجتماع : إنه لا مانع من أن يتعلق الإيجاب بعنوان ويتعلق التحريم